محمد بن جرير الطبري
266
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
أن يكون معنيًّا به : المِثلُ والاتفاق ، كقول القائل : " هذان الشيئان واحد " ، يراد بذلك : أنهما متشابهان ، حتى صارَا لاشتباههما في المعاني كالشئ الواحد . والرابع : أن يكون مرادًا به نفي النظير عنه والشبيه . قالوا : فلما كانت المعاني الثلاثةُ من معاني " الواحد " منتفيةً عنه ، صح المعنى الرابع الذي وَصَفناه . * * * وقال آخرون : معنى " وحدانيته " تعالى ذكره ، معنى انفراده من الأشياء ، وانفراد الأشياء منه . قالوا : وإنما كان منفردًا وحده ، لأنه غير داخل في شيء ولا داخلٌ فيه شيء . قالوا : ولا صحة لقول القائل : " واحد " ، من جميع الأشياء إلا ذلك . وأنكر قائلوا هذه المقالة المعاني الأربعةَ التي قالها الآخرون . * * * وأما قوله : " لا إله إلا هو " ، فإنه خبرٌ منه تعالى ذكره أنه لا رب للعالمين غيرُه ، ولا يستوجبُ على العبادِ العبادةَ سواه ، وأنّ كلّ ما سواه فهُم خَلقه ، والواجبُ على جميعهم طاعته والانقيادُ لأمره ، وتركُ عبادة ما سواه من الأنداد والآلهة ، وهجْر الأوثان والأصنام . لأنّ جميع ذلك خلقُه ، وعلى جميعهم الدينونة له بالوحدانية والألوهة ، ولا تَنبغي الألوهة إلا له ، إذ كان ما بهم من نعمة في الدنيا فمنه ، دون ما يعبدونه من الأوثان ويشركون معه من الأشراك ؛ ( 1 ) وما يصيرون إليه من نعمة في الآخرة فمنه ، وأن ما أشركوا معه من الأشراك لا يضر ولا ينفعُ في عاجل ولا في آجل ، ولا في دنيا ولا في آخرة . وهذا تنبيه من الله تعالى ذكره أهلَ الشرك به على ضلالهم ، ودعاءٌ منه لهم إلى الأوبة من كفرهم ، والإنابة من شركهم .
--> ( 1 ) الأشراك جمع شريك ، كما يقال : شريف وأشراف ، ونصير وأنصار ، ويجمع أيضًا على " شركاء " .